ماكس أرنست Max Ernst

ماكس ايرنست..الغموض والأسرار

ميشيل شامبنوا
ترجمة د. سندس فوزي فرمان


إن أردنا الاقتناع بأن السريالية لم تكن لحظة ثانوية في تاريخ الفن في القرن العشرين يكفينا أن نتأمل في أعمال ماكس ايرنست. عبّر هذا الرسام السريالي عن العصر كله دون أن يضطر لأن ينكر نفسه،فتمتع بعمر طويل من الإبداع وجاء حدسه الفني مبكرا وصداقاته مثمرة وحبه حاسما. وهكذا كان في حياة هذا الرسام كل المكونات التي تصنع قدرا استثنائيا. حتى التاريخ نفسه كان حاضرا في صنع هذا القدر؛ ذلك التاريخ الذي يحدد النزاعات والمنفى. ولد ماكس ايرنست في ألمانيا ثم اختار فرنسا وعاش فيها منذ العشرينات ليلتحق ببول ايلوار وأندريه بروتون

إلا إن ماكس ايرنست عانى من أصوله القومية في عام 1939 حيث اعتقل حتى استطاع أن يختار المنفى في الولايات المتحدة. ايرنست من مجموعة الفنانين الذين اختاروا باريس عاصمة للفكر وتوجب عليهم دفع ثمن هذا الاختيار في أكثر الأوقات حلكة.
كان خيارا المنفى سعيدا فقد منحته أمريكا فرصة اكتشاف ولاية أريزونا وتعرف فيها على فن الهنود من قبائل الهوبي،كما إنها منحته قصة حبه مع دوروثيا تاننغ والتي أصبحت زوجته ورفيقة رحلته منذ عام 1943 وعادت معه إلى أوربا في 1953 وشاركته سنين السلام والابداع في فرنسا.
خصصت مدينة بروهل متحفا لأعماله وعهدت بالافتتاح للمؤرخ الفني فارنير سبي وهو أحد المتخصصين بأعمال ايرنست وكان ذلك تتويجا للاعتراف بالرسام وبقيمته الفنية.
مارس ماكس ايرنست الرسم والنحت وتقنيات الفرك والصقل واللصق حيث وضع كل الوسائل الفنية المتاحة لخدمة رؤية قادرة على كشف أعماق الهاوية أو قمة السمو التي يمكن أن تواجه البشر. وتعتبر لوحاته المروعة التي رسمها خلال سنوات الحرب بل وحتى لوحات الخرائب المنذرة بقدوم الشر قبل اندلاع النزاع، ترجمة شاملة للخيالات المعتمة التي تسكن في كل واحد منا. وتذكرنا بعض لوحاته مثل عين الصمت” (1943) و “غواية القديس أنطوان” (1945) بجيروم بوش بسبب عتمة مناظرها.
إلا إن ايرنست كأصدقائه من الشعراء وضع أيضا المرأة وتحولاتها في مركز اهتماماته فهي الوسيطة للأحلام.
لوحته “المرأة والشيخ والزهرة” والتي نرى فيها الأفق يعبر خيال أمرأة ما هي من نفس مجموعة لوحته “البستانية الجميلة” التي ضاعت خلال الحرب ولوحة “عودة البستانية الجميلة” (1967) التي تمثل ازدواجا رائعا للذاكرة.
عندما تنظر جانبيا لعين ماكس ايرنست الزرقاء فكأنك تنظر لعين طائر؛ فنظراته نصف شفافة وثاقبة وتعكس لك ما هو أبعد مما تعكسه المرآة.هذه النظرات تمثل عكس ما تمثله نظرات المصور مان ريه الكئيب والمنكمش على ذاته فإن رأيته يحدق في موضوعه التصويري فيبدو لك إنك ترى قزحية عينه ومنها ترى دماغه كجهاز يعمل.
يعتبر ماكس ايرنست رساما أديبا فهو يعلق على لوحاته ويعنونها بالفرنسية وتكون جمله في الغالب غامضة بقدر ما هي ساخرة. أين يمكن تصنيفه بين الرسامين؟ لوحاته تتطلب انتباه أكثر من لوحات بيكاسو إلا إنها أقل حسية منها. وهو أكثر خيالا من ميرو واقل انفتاحا خارج الذات من دالي كما إنه أفضل كرسام من ماغريت أو شيريكو. إضافة إلى ذلك فهو متمكن جدا في تقنية الكولاج (اللصق) حيث يستخدمها في سرد القصص كما هو الحال في لوحته “المراة ذات المائة رأس” والتي استخدم فيها 147 لوحة. وهو نفسه الذي وقع اللوحة المشهورة لمجموعة السرياليين والمسماة ب“موعد الأصدقاء” (1922).
ومع ذلك فإن لوحاته تبقى عصيه على الفهم أكثر من غيرها وكثيرة الغموض ولا تبعث أبدا على الاطمئنان. فهي تبقى كالوجه الآخر الخفي من القمر، ذلك الكوكب الذي يضيء المشاهد الليلية حيث يسيطر على لوحات ماكس ايرنست الهاجس الكئيب لإنسان لديه تساؤلات عديدة إلا إنه لا يدعي معرفة الأجوبة على تلك الألغاز الرمزية.

https://i2.wp.com/www.abcgallery.com/E/ernst/ernst30.JPG

Max Ernst – Olga’s Gallery

Max Ernst – Wikipedia

فكرة واحدة على ”ماكس أرنست Max Ernst

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s